الإخلاص
بسم الله الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه
ومن والاه، أمّا بعد، فاليوم سوف نتكلم عن عبادة إذا اتقنتها فسوف تتلذذ بجميع
العبادات، وهذه العبادة هي الإخلاص، وإذا طبقت قوانين الإخلاص فسوف تعيش أحلى حياة
ليس مع العبادات فقط، بل مع كل حركة من حركات حياتك، وقبل الخوض في الموضوع، دعونا
نسرد لكم قصة قصيرة عنه:
يروى أن نجّاراً ماهراً كان لا مثيل له في روعة صنعته، وقد تقدّم به
العمر وطلب من رئيسه في العمل وصاحب المؤسسة أن يُحيلَهُ إلى التقاعد ، ليعيش ما تبقى من عمره مع زوجته وأولاده، وفي البداية رفض
صاحب العمل طلب النجاّر، وحاول أن يُغْرِيَهُ بالاستمرار في عمله عن طريق زيادة
راتبه، إلاّ أن النجّار رفض وأصرَّ على طلبه، وعندما لم يجد صاحب العمل مَفرّ من
إجابة طلبه، حاول أن يحصُل على مكسب أخير من هذا النجار، فقال له: لي رجاء أخير
أُريدَك أن تبني منزلاً أخيراً تربح منه المؤسسة، ثم بعد ذلك سوف أُحيلكَ للتقاعد"
وافق النجار وهو كاره، وبدأ
في عمله، ومع علمهِ أن هذا هو البيت الأخير الذي سوف يبنيه لم يُحسِنْ النجّار
صنعته فيه، وأسرع في انتهائه دون تحقيق
الجودة المعروفة عنه في السابق، وعندما
انتهى النجار العجوز من البناء سلّم صاحب العمل مفاتيح المنزل الجديد، وطلب منه
الآن السماح بالرحيل كما هو الاتفاق بينهم، إلاّ أن صاحب العمل فاجأه وقال له: هذا
المنزل هديتي لك تعويضاً عن بيتك القديم المتهالك ونظيراً لعملك مع المؤسسة بإخلاص
وتفاني، النجار صُعِقَ من المفاجأة، لو كان يعلم هذا النجار أنه سيبني هذا المنزل
لنفسه لمَا توانى في الإخلاص في أداء العمل.
ما أعظم هذه
العبادة، الإخلاص إذا طبقت قوانين الإخلاص فستعيش أحلى حياة ليس مع العبادات فقط
بل مع كل حركةٍ في حياتك
- ما هو الإخلاص؟
الإخلاص أن تكون
أعمالك كلها لله، وعباداتك كلها لله لا رياء ولا سُمعة، فأنت تُحسِنْ إلى والديك
سواءً فضلوك على إخوانك وأخواتك، أو أنهم فضلوا إخوانك لا يهم،
أنت تتصدق على
الفقراء سواءً عرف الناس أم لم يعرفوا، أهم شيء أن يكون الله تعالى قد علم به، أهم
شيء أن الملائكة سجلت عملي ثم بعد ذلك لا يَهمّني أحد،
لا تُظهِرْ حُسن
أخلاقك أمام أصحابك لكي يحسنوا التعامل
معك، لا!،... أُظهِرْ لهم أخلاقك سواءً أحسنوا إليك أم لم يحسنوا،
أهم شيء هل الله عز وجل راضي عني أم لا؟
إذا كنت قد
أرضيت الله فكل شيءٍ سواه لا يَهُم،
"إذا صحّ منك الودُّ فالكل هينٌ، وكل
الذي فوق الترابُ تراب، فليتك تحلو والحياة مريرةٌ، وليتك ترضو والأنامُ غِضابُ
وليت الذي بيني
وبينك عامرٌ، وبيني وبين العالمين خراب"
فما الذي تريده من الناس؟
أهم شيء أن تدخل
أنت الجنة حتى لو ما دعاك أحد، فلا يهُم سواءً عرف المدير أنك مجتهد أم لا، سواءً
عرف المسؤول أنك لم تُخطِئ، أو لم يعرف، في النهاية ألستَ متأكداً أن الله تعالى
يعلم عنك؟!
بلى، فهذا هو المطلوب المخلوق لن يُعطيَك قدرك لن يُعطيك حقك
أمّا ربنا سبحانه فإنه أكثر من يعلم عنك ويعلم ماذا تستحق، وهو
سيعطيك أكثر مما تستحق
قال تعالى: من جاء بالحسنةِ فله عشرُ أمثالها "
فإذا كنت دائماً
تفكر بهذه الطريقة فلن يحزِنُكَ شيء، ولن تهتم لأي أحد لم يعطيك قدرك
لأنك في الأساس لم تعمل لأجله، وقليلٌ من الناس من يعيش هكذا
لأن كثيراً من الناس يُحِسنُ إلى أهلهِ، يُحسِنْ إلى والديه، أو إلى
أصحابه، يُحسن في العمل، ثم لا يجد التقدير فيتوقف عن الإحسان،
- ولِمَا كان من المُفترض ألاّ تتوقف عن الإحسان؟
لأنك في الأساس لم تعمل لأجل أحد، بل لأجل أن تحصل على ثواب هذا
الإحسان، فأهم شيء هل أنت حصلت على أجرك من الله أم لا؟
إذا كنت قد حصلت
عليه فالأمر قد انتهى، هذا هو الإخلاص، أن تكون أعمالك كلها لله بدون أن تعملها
لأجل أي شيءٍ آخر
- ماذا سيحدث لي إذا أخلصت؟
أولاً الإخلاص ليس على درجةٍ واحدة، بل على درجات فإذا زاد الإخلاص
في قلبك فإنك ستُعَاملْ معاملة خاصة من الله تعالى
- ما هي الأمور التي تكون فيها المعاملة
الخاصة؟
وهذه المعاملة الخاصة تكون في ثلاثة أمور
أولاً:
الأعمال الصالحة
التي تفعلها بإخلاص ستحصل مقابلها على حسنات أكثر من غيرك، حتى لو كان هذا الشخص
قد عمل مثل عملك بالضبط، فستحصُل أنت على أجرٍ أكبر
قال عبد الله مبارك:
"كم من عملٍ صغير عظّمتهُ النية، وكم من عملٍ كبير صغّرته النية"
- لماذا أجور الصحابة أعظم منّا؟
الصحابة يفعلون
مثل الافعال التي يفعلها كثيرٌ من أهل زماننا، ولكن أجورهم أعظم
لأن الإخلاص الذي كان في قلوبهم كان أعظم
قال صلى الله عليه وسلم: لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل
أُحدٍ ذهباً، ما بلغ مُدَّ أحدِهم ولا نصيفَهُ"
بمعنى لو أنفقنا مثل جبل أُحد ذهباً فلن نساوي بالأجر مثلما أنفق هو
بكمية مُد اليد من صدقة، ولا حتى نصف المُد
ولهذا قال
المزني رحمه الله تعالى:" أبو بكرٍ رضي الله عنه أبو بكر الصديق ما سبقهم
بكثرة صيامٍ ولا صلاة ولكن بشيءٍ وقر في صدره"
أمّا المعاملة
الخاصة الثانية:
تكون للمخلص أنه حتى لو وقع في السيئات، فإنه يُتَجَاوز عنه أكثر من
غيره، له معاملة خاصة حتى إذا وقع في السيئات
قال بعض
العلماء: "والنوع الواحد من العمل قد يفعله الإنسان على وجهٍ يَكمُل فيه
إخلاصه فُيغفَر فيه كبائر"
كما ذكر النبي صلى الله عليه وعلى اله وسلم: "عن البغي من بغايا
بني اسرائيل التي سقت كلباً فشكر الله، لها فغفر لها"
يقول العلماء: لقد حضر في قلبها في قلب "هذا البغي" من
إخلاص ما لا يعلمه إلاّ الله تعالى لهذا غُفِرَ لها "
وإلاّ فليس كل
بغيٍ سَقتْ كلباً يُغفرَ لها
فإن من العدل
ألاّ يُعامل الناس جميعاً معاملة واحدة، بل كل إنسان يُعامل بحسب قلبه وتاريخه
فانظر ماذا تحمل
في قلبك أثناء المعصية؟
وعلى أساسها ستكون المحاسبة.
قال ابن القيم
رحمة الله عليه: "الكبيرة من الكبائر قد يقترن بها من الحياء والخوف والاستعظام
لها ما يلحقها بالصغائر، وقد يقترن بالصغيرة من قلة الحياء وعدم المبالاة وترك
الخوف والاستهانة بهذه الصغيرة ما يُلحقها بالكبائر بل يجعلها في أعلى رتب الكبائر"
هذا أمرٌ مرجعه
إلى ما يقوم في القلب يقول ابن القيم: فإنه يُعفى للمحب ولصاحب الإحسان العظيم ما
لا يُعفى لغيره ويُسامَح بما لا يُسامَح به غيره "
فهناك فرقٌ بين
من إذا أتى بذنبٍ واحدٍ ولم يكن له من الإحسان والمحاسن ما يشفع له، وبين من إذا
أتى بذنب جاءت محاسنه بكل شفيع، كما قيل: وإذا الحبيب أتى بذنبٍ واحدٍ جاءت محاسنه
بألف شفيع"
وكلما كان توحيد العبد أعظم كانت مغفرة الله له أتم "
انتهى كلام ابن
القيم رحمة الله عليه
وأمّا المعاملة الخاصة الثالثة:
هي السعادة التي سيشعر بها في الدنيا قبل الآخرة
قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم:" من كانت الآخرة
همه جعل الله غنائه في قلبه وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا
همه جعل الله فقره بين عينيه وفرّق عليه شمله ولم يأتيه من الدنيا إلاّ ما قُدر
عليه
"
- ما الذي كان يفعله الصالحون في السابق؟
لقد كان
الصالحون في السابق يحرصون على ألاّ يحس بعبادتهم أحدٌ إلاّ الله،
ففي إحدى المرات
بكى أيوب السختياني من خشية الله تعالى فأخذ بأنفه وقال: "رُبما هذا زُكام"
لا يريد أن يعرف
أحدٌ أنه يبكي
وفي مرة من المرات بكى فحاول أن يوقِف بكائه،
فلمّا لم يملك نفسه، قام لكي لا يعلم به أحد
يقول محمد بن واسع: "لقد أدركتُ رجالاً كان الرجل يكون رأسه
ورأس امرأته على وسادة واحدة، وهو قد بلّل ما تحت خده بالدموع، ولا تشعر به امرأته،
ولقد أدركتُ رجالاً كان أحدهم يقوم في الصف فتسيلُ دموعه على خديه
ولا يشعر به الذي إلى جنبه"
فالأولى أن يُخفي الإنسان طاعته، قال رسول الله صلى الله عليه وعلى
اله وسلم: إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي"
- ما الفرق بين الإخلاص وغيره من العبادات؟
الإخلاص ليس فيه جهد بدني ولا تعب فأنت لا
تحتاج أن تركض من أجل أن تُخلِص، بمعنى أنّ بقية العبادات تحتاج إلى جهد، كالصلاة،
والصيام أو إلى نفقة كالصدقة أو إلى سفر وتعب كالحج، ولكن الإخلاص لا يحتاج إلى كل
هذا، المسألة تحتاج إلى نية فقط، فما المانع من أن نُخلِص لله تعالى؟!

تعليقات
إرسال تعليق